كلمة وزير الصناعة بيار الجميل
في معهد البحوث الصناعية 2-9-2005
في خضم الظروف الصعبة والاجواء الضاغطة التي يعيشها لبنان حاليا، تواصل الحكومة عملها بكل قوة واندفاع لترجمة الوعود والافكار التي اطلقت في خلال الانتخابات النيابية الاخيرة لتحقيق الاصلاحات التي يطمح اليها اللبنانيون والتي شكلت المحور الابرز لانتفاضة الاستقلال. وقد سعينا في وزارة الصناعة، على مدى الاسابيع القليلة الماضية، مدعومين بتوجه حكومي واضح، الى وضع خطة اصلاحية شاملة للمشاكل التي يعاني منها القطاع الصناعي اداريا وتقنيا وتنفيذيا اردنا اطلاقها اليوم برعاية دولة رئيس الحكومة الاستاذ فؤاد السنيورة لتأكيد دعم الحكومة لهذا القطاع الذي يضم شريحة واسعة من الشعب اللبناني ويشكل رافعة كبرى للاقتصاد الوطني.
وفي الوقت ذاته فاننا نعتبر ان الاصلاح الاقتصادي يحتاج الى معالجة المشاكل الاساسية الاخرى التي هي على ارتباط وثيق بهذا القطاع ومنها الاوضاع السياسية والادارية, وخصوصا الامنية وازالة الرواسب التي لا تزال قائمة في العديد من الادارات والتي تعيق استكمال تنفيذ الاصلاحات المطلوبة وتطوير القوانين لتتلاءم مع التطور في العالم.
كان لتراجع الظروف التي تؤمن مستلزمات الصناعة في لبنان تأثير بالغ على تراجع الاقتصاد برمّته، لذا رأينا من الحكمة والصواب الاستماع الى مطالب واقتراحات الصناعيين انفسهم وتقييمها على ضوء المصلحة العامة واعتماد الاجراءات التي تفوق حسناتها بكثير الاعباء التي يمكن ان تنجم عنها. واردنا اطلاق البرنامج بطريقة غير تقليدية من خلال اشراك الصناعيين الشباب فيها.
فالقطاع الصناعي اللبناني يشهد مفارقة فادحة، لان الارقام تدل من جهة على ازدياد التصدير ودخوله حتى الاسواق الاكثر تطلباً، فيما تظهر الوقائع من جهة اخرى تخبّطا واقفالاً لمؤسسات صناعية كثيرة. كما تبين الدراسات ان هناك ثلاث شرائح من المؤسسات الصناعية في لبنان: الشريحة الاولى مؤسسات تزدهر وتنمو، والثانية مؤسسات تتخبط وتسعى الى تأمين استمراريتها، والثالثة مؤسسات اقفلت ابوابها.
ويفيد التشخيص الدقيق للواقع ان الاقتصاد اللبناني يعيش ظاهرتين متلازمتين فهو يتحلّى بمزايا الاقتصاد الحرّ، ويواجه في الوقت ذاته عراقيل ادارية وسياسية تعطل دورته وتدفعه بعيداً عن موازين الاقتصاد الحر. فعلى سبيل المثال يعتمد لبنان سياسة الاسواق المفتوحة وفي الوقت ذاته يتم تسعير الطاقة من قبل الدولة وفق معايير غير تنافسية وبعيدة عن مقتضيات الاقتصاد الحرّ. كما اباحت الدولة الاستيراد من الخارج من دون اعطاء فرص عادلة للصناعة اللبنانية لتجابه المنافسة القائمة, وهذا الواقع جعل العديد من القطاعات التي تعتمد على الطاقة بشكل اساسي في انتاجيتها تتخبّط في اوضاع صعبة نتيجة اتكالها بصورة محددة على المواد الاولية التي لا تعبّر اسعارها عن الواقع الفعلي في الاسواق المجاورة.
واذا ما استمرت هذه المعطيات بدون معالجة فانها ستقود حتما الى الحكم على المؤسسات الصناعية بالهجرة وبإنهاء فرص العمل للبنانيين في لبنان وتوفيرها لسواهم في الخارج في مؤسسات يملكها لبنانيون وبالتالي حرمان الاقتصاد اللبناني فرصة النمو الطبيعية والمرجوة.
مما لا شك فيه ان الصناعة في لبنان ضرورة اقتصادية كونها تساهم في تأمين النمو وتوفير فرص العمل. اما القول بأن لا جدوى من الصناعة في لبنان نتيجة افتقار بلدنا للموارد الطبيعية فهو غير صحيح، وفي تجارب سويسرا وهولندا واليابان امثلة واضحة تناقض هذه المقولة.
والمطلوب برأينا، ليس انعاش الصناعة اصطناعياً، بل تصحيح وضع قائم ضمن سلّة اجراءات لفترة زمنية محددة مما يسمح لهذه المؤسسات بالتقاط انفاسها ودخول المرحلة القادمة بكل ثقة، متكلة على فعاليتها الذاتية من دون الحاجة الى تدخل الدولة لا بل، وليس في القول مبالغة، هي التي تنقذ القطاع الزراعي وتدخله في المنافسة وتطوره وبالتالي تحد من انفاق الدولة عليه ليصبح قطاعا داعما للاقتصاد اللبناني.
من هنا فاننا ندعو الى تدعيم مقومات الصناعة, وليس دعمها, على غرار ما قامت به دول كثيرة كالاردن وايرلندا ضمن معطيات الاقتصاد الحرّ، والى وضع رؤية صناعية تحت شعار " صناعة لشباب لبنان 2010 " لما للصناعة من دور في تأمين مستقبل للشباب في لبنان. ونتمنى ان تتكامل رؤية الوزارة ضمن رؤية شاملة للاقتصاد اللبناني " لبنان 2010" فتعمل كل القطاعات معاً على رفع مستوى العيش في لبنان وتأمين فرص العمل وبقاء الادمغة في لبنان.
ان البرنامج الذي تقترحه وزارة الصناعة ينقسم الى ثلاثة مراحل تنطلق معا:
المرحلة الاولى: خطة طوارى لتفعيل الطاقات الموجودة.
المرحلة الثانية: تفعيل القطاعات القائمة عبر برامج التنمية الصناعية.
المرحلة الثالثة: اطلاق صناعات الغد المبنية على الصناعات الجديدة والمتطورة.
اننا على ثقة ان الحكومة ستبادر الى اقرار اجراءات المرحلة الاولى ضمن مهلة 100 يوم, على ان تقوم وزارة الصناعة بالتعاون مع جميع المعنيين باقرار الخطة التنفيذية لتحقيق الاهداف المحددة في برنامج التنمية ضمن روزنامة زمنية فيتمّ توزيع المسؤوليات التنفيذية بشكل واضح على ان يصار بعد ذلك الى اطلاق المرحلة التالية، اي اطلاق" صناعات الغد".
ان نجاح هذه السياسة منوط بشكل مباشر بدعمها من قبل كافة الاطراف المعنية لاسيما منها جمعية الصناعيين اللبنانيين والنقابات المهنية والجمعيات في المناطق المنضوية تحت لوائها. وان الخطوة الاولى لاعتماد هذه السياسة, وأي سياسة صناعية, تفترض موافقة الحكومة عليها لان الصلاحية العائدة الى وزارة الصناعة محدودة جدا وتشارك بها بشكل رئيسي، يفوق احيانا دورها بالذات، وزارات المال والاقتصاد والتجارة والاشغال العامة والنقل، والعديد من الوزارات والادارات الاخرى.
ان للبنان طاقات جدية كامنة في شبابه، في اغترابه وفي موارده الفكرية بالرغم من قلة الموارد الطبيعية فيه. وأدعو الجميع للعمل معاً لتحويل التحديات الى فرص نجاح. وإننا نتطلع الى عام 2010 زاهر يؤمن الاقتصاد فيه دخلا فرديا مرتفعا بمستوى الطاقات المتاحة، فيتألق شباب لبنان في بلد يفتخرون بالانتماء اليه ويرفعون عالياً راية "انني صنع لبنان".
اردنا من خلال هذا البرنامج ان نطمح، ولم نكتف بخطة لمئة يوم، بل وضعنا رؤية شاملة مع خطة تنفيذية تتخطى المئة يوم. فبعدما كان ممنوعا علينا في زمن مضى ان نطمح، واذا طمحنا ان ننفذ، المطلوب اليوم قرار جريء بدعم تطبيق الخطة المعروضة امامكم.
عشتم وعاش لبنان
وزير الصناعة
بيار الجميّل
|